محمد عبد الله دراز

158

دستور الأخلاق في القرآن

لدينا منها أنواع ثلاثة : أحدها ينظر إلى الطّبيعة الإنسانية بعامة ، والآخر ينظر إلى واقع الحياة المادي ، والثّالث ينظر إلى تدرج الأعمال . آ - إمكان العمل : ولعل من نافلة القول أن نؤكد فكرة الإمكان المادي للعمل كشرط لا معد عنه في الإلزام الأخلاقي . فليس الضّمير العام هو الّذي يعترف وحده بتلك الحقيقة البدهية القائلة بأنّه لا يطلب الطّيران من النّوق ، ولكن ذلك هو بذاته ما ورد في كثير من النّصوص القرآنية . مثل قوله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها « 1 » . وقوله : وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها « 2 » . وقوله : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها « 3 » . والظّروف الّتي نزل فيها هذا النّص الأخير تعيننا على تحديد معنى هذه الاستحالة ، الّتي تبدو وكأنّها غير متفقة مع الإلزام . ففي الآية السّابقة عليه يقول اللّه سبحانه : وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ « 4 » . وقد أعتقد صحابة النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنّها تنطبق على كلّ ما يدور في الضّمير : أفكارا ، أو عزائم ، أو رغبات ، أو هواجس ، أو تخيلات إلخ . . تمسكا منهم بحرفية هذا النّص العام . فعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : لما نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لِلَّهِ ما فِي

--> ( 1 ) الطّلاق : 7 . ( 2 ) الأنعام : 52 ، والمؤمنون : 62 . ( 3 ) البقرة : 286 . ( 4 ) البقرة : 284 .